
حرية الإنسان من الحقوق التي أحاطها النظام السعودي بضمانات واضحة، ولذلك لا يكفي مجرد وجود اتهام أو تحقيق لتقييد حرية الشخص دون سند نظامي.
ويقرر النظام الأساسي للحكم أنه لا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام. كما وضع نظام الإجراءات الجزائية أحكامًا تفصيلية تتعلق بمكان التوقيف، والأمر الذي يستند إليه، ومدته، والرقابة على أماكن التوقيف، وحق الموقوف في تقديم شكوى.
فمتى يمكن الحديث عن التوقيف غير النظامي في السعودية؟ وما الحقوق التي قررها النظام للموقوف؟
أولًا: التوقيف يجب أن يستند إلى أمر نظامي
تنص المادة (37) من نظام الإجراءات الجزائية على عدم جواز إيداع أي شخص في السجن أو التوقيف إلا في الأماكن المخصصة لذلك نظامًا.
كما لا يجوز لإدارة السجن أو دار التوقيف استقبال أي شخص إلا بموجب أمر صادر من السلطة المختصة، على أن يكون هذا الأمر مسببًا ومحددًا لمدة التوقيف أو السجن.
وهذه الضمانة مهمة؛ لأن بقاء الشخص موقوفًا لا يستند فقط إلى وجود قضية ضده، وإنما يجب أن يكون هناك سند نظامي يجيز استمرار تقييد حريته.
ثانيًا: هل يجوز استمرار التوقيف بعد انتهاء المدة؟
لا يجوز استمرار احتجاز الشخص بعد انتهاء المدة المحددة في أمر التوقيف دون وجود سند نظامي يجيز استمرار ذلك.
فالمادة (37) تقرر صراحة عدم جواز إبقاء الشخص بعد انتهاء المدة المحددة في الأمر.
ومن هنا تظهر إحدى أهم الضمانات المتعلقة بـ التوقيف غير النظامي في السعودية: فوجود أمر توقيف صحيح في البداية لا يعني أن الشخص يمكن أن يبقى محتجزًا إلى أجل غير محدد.
وقد تناولنا مدد التوقيف وتمديدها بالتفصيل في مقال سابق بعنوان «مدة توقيف المتهم في السعودية».
ثالثًا: من يراقب مشروعية التوقيف؟
لم يكتف النظام بوضع قواعد مكتوبة، بل قرر وجود رقابة على السجون وأماكن التوقيف.
وتنص المادة (38) على زيارة المختصين في النيابة العامة للسجون وأماكن التوقيف الواقعة ضمن اختصاصهم، وذلك للتحقق من عدم وجود شخص مسجون أو موقوف بصورة غير مشروعة.
كما تشمل الرقابة الاطلاع على السجلات والتواصل مع المسجونين والموقوفين وسماع شكاواهم وتلقي ما يقدمونه في هذا الشأن.
وبذلك توجد رقابة نظامية على مشروعية استمرار احتجاز الأشخاص، وليس فقط على قرار التوقيف عند صدوره.
رابعًا: هل يستطيع الموقوف تقديم شكوى؟
نعم، وهذه من أبرز الضمانات التي نص عليها النظام.
فوفق المادة (39)، يجوز لكل مسجون أو موقوف أن يقدم في أي وقت شكوى كتابية أو شفهية إلى مدير السجن أو دار التوقيف، وأن يطلب إبلاغها إلى عضو النيابة العامة المختص.
ويلزم النظام إدارة مكان التوقيف بقبول الشكوى وإبلاغها، بعد إثباتها في سجل مخصص لذلك، كما يحصل مقدم الشكوى على ما يثبت تسلمها.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن النظام لم يجعل حق الشكوى مرتبطًا بانتهاء القضية أو انتظار المحاكمة، وإنما أجازه للموقوف أثناء وجوده في مكان التوقيف.
خامسًا: ماذا لو علم شخص بوجود موقوف بصورة غير مشروعة؟
الحماية لا تقتصر على الموقوف نفسه.
فالمادة (40) تتناول حالة علم أي شخص بوجود شخص مسجون أو موقوف بصورة غير مشروعة، أو محتجز في مكان غير مخصص للسجن أو التوقيف.
وفي هذه الحالة، يجيز النظام إبلاغ النيابة العامة، وعند وصول البلاغ ينتقل المختص إلى المكان الموجود فيه الشخص ويجري التحقيق اللازم، وإذا ثبت أن السجن أو التوقيف غير مشروع يأمر بالإفراج عنه.
وهذه ضمانة مهمة؛ لأن التعامل مع التوقيف غير النظامي في السعودية لا يتوقف على قدرة الموقوف نفسه على تقديم الشكوى.
هل وجود قضية يبرر أي مدة من التوقيف؟
لا.
وجود قضية أو اتهام لا يلغي الضوابط المتعلقة بحرية الشخص، وإنما يجب أن تسير إجراءات التوقيف وفق الأحكام النظامية من حيث الجهة المختصة، والسبب، والمدة، ومكان التوقيف.
ولهذا فرّق النظام بين مجرد وجود قضية وبين وجود سند نظامي يسمح باستمرار تقييد حرية الشخص.
كما أن التوقيف نفسه يظل إجراءً من إجراءات القضية، وليس حكمًا بإدانة الشخص.
متى تثار مسألة مشروعية التوقيف؟
قد تثار المسألة، على سبيل المثال، عند احتجاز شخص في مكان غير مخصص نظامًا، أو استمرار بقائه محتجزًا بعد انتهاء المدة المحددة في الأمر دون سند يجيز استمرار التوقيف.
كما أن النظام اشترط أصلًا وجود أمر صادر من السلطة المختصة ومحدد المدة لقبول الشخص في مكان التوقيف.
لذلك لا ينبغي اختزال مفهوم التوقيف غير النظامي في السعودية في مجرد الاعتراض على قرار التوقيف؛ بل يرتبط بمدى التزام الإجراء بالضوابط التي قررها النظام.
أسئلة شائعة
هل يستطيع الموقوف تقديم شكوى شفهيًا؟
نعم. المادة (39) تجيز تقديم الشكوى كتابة أو شفهيًا إلى مدير السجن أو دار التوقيف، مع طلب إبلاغها إلى عضو النيابة العامة المختص.
هل يجب إثبات تسلم شكوى الموقوف؟
نعم. ينص النظام على قيد الشكوى في سجل مخصص وإعطاء الموقوف ما يثبت تسلمها.
هل يجوز احتجاز شخص في أي مكان؟
لا. المادة (37) تشترط أن يكون السجن أو التوقيف في الأماكن المخصصة لذلك نظامًا.
هل يمكن لشخص آخر الإبلاغ عن توقيف غير مشروع؟
نعم. المادة (40) تتناول صراحة حالة علم أي شخص بوجود شخص مسجون أو موقوف بصورة غير مشروعة أو في مكان غير مخصص لذلك.
ماذا يحدث إذا ثبت أن الاحتجاز غير مشروع؟
وفق المادة (40)، إذا تحقق المختص بعد الانتقال والتحقيق من أن السجن أو التوقيف غير مشروع، يأمر بالإفراج عن الشخص، مع اتخاذ الإجراءات التي ينظمها النظام بشأن الواقعة.
الخلاصة
وضع نظام الإجراءات الجزائية عدة ضمانات لحماية حرية الأشخاص؛ فلا يكون التوقيف إلا في مكان مخصص نظامًا، وبموجب أمر صادر من السلطة المختصة يبين سببه ومدته، ولا يجوز استمرار الاحتجاز بعد انتهاء المدة المحددة دون سند نظامي.
كما منح النظام الموقوف حق تقديم شكوى كتابية أو شفهية، وأخضع أماكن التوقيف للرقابة، وأتاح الإبلاغ عن وجود شخص محتجز بصورة غير مشروعة.
وبذلك فإن معرفة أحكام التوقيف غير النظامي في السعودية لا تتعلق فقط بسبب التوقيف، بل تمتد إلى مكانه ومدته وسنده النظامي وحق الموقوف في الشكوى والرقابة على استمرار احتجازه.
للاطلاع على النص النظامي
يمكن الرجوع إلى نظام الإجراءات الجزائية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء�، وبصفة خاصة المواد 37 و38 و39 و40.
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.