
قد تبدأ الواقعة بسماع أقوال عدد من الأشخاص وجمع المعلومات المتعلقة بها، ثم تنتقل لاحقًا إلى مرحلة التحقيق الجنائي واتخاذ إجراءات أكثر تفصيلًا.
وهنا قد يحدث خلط بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي، خاصة عندما تُطرح أسئلة على الشخص حول الواقعة فيظن أن مجرد سؤاله يعني بالضرورة أنه أصبح في مرحلة الاستجواب أو أن التهمة قد ثبتت بحقه.
لكن نظام الإجراءات الجزائية السعودي يميز بين إجراءات الاستدلال وجمع المعلومات، وبين التحقيق وما يتضمنه من استجواب للمتهم وسماع للشهود واتخاذ الإجراءات اللازمة لكشف حقيقة الواقعة.
فما الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي؟ ومتى يبدأ كل منهما؟
يمكن أن يتم سماع الأقوال ضمن إجراءات الاستدلال وجمع المعلومات عن الجريمة.
فرجال الضبط الجنائي يتلقون البلاغات والشكاوى، ويجمعون المعلومات المتعلقة بها، ويثبتون الإجراءات التي يقومون بها في المحاضر المخصصة لذلك.
وقد يكون الهدف من سماع الأقوال في هذه المرحلة معرفة تفاصيل الواقعة، وتحديد الأشخاص المرتبطين بها، وجمع المعلومات والقرائن التي تساعد في كشف حقيقة ما حدث.
وبالتالي، فإن مجرد سؤال شخص عن واقعة أو سماع أقواله بشأنها لا يعني وحده ثبوت ارتكابه للجريمة.
ثانيًا: ماذا يحدث عند القبض على المتهم؟
يظهر الفرق بصورة أوضح عند القبض على شخص وفق الحالات النظامية.
فقد أوجب النظام على رجل الضبط الجنائي أن يسمع فورًا أقوال المتهم المقبوض عليه، فإذا وجدت دلائل كافية على اتهامه أرسله خلال أربع وعشرين ساعة مع المحضر إلى المحقق.
وعلى المحقق أن يستجوب المتهم المقبوض عليه خلال أربع وعشرين ساعة، ثم يأمر بتوقيفه أو الإفراج عنه وفقًا لما تقضي به الإجراءات النظامية.
وهذا يوضح أن سماع الأقوال ليس هو نفسه الاستجواب، وأن انتقال الشخص إلى جهة التحقيق يمثل مرحلة إجرائية مختلفة.
ثالثًا: ما المقصود بالتحقيق الجنائي؟
التحقيق الجنائي مرحلة تهدف إلى التحقق من الواقعة والأدلة المرتبطة بها وتحديد مدى كفايتها لاتخاذ الإجراء النظامي المناسب.
ولا يقتصر التحقيق على سؤال المتهم فقط، بل قد يشمل عددًا من الإجراءات، مثل سماع الشهود، والمعاينة، والتفتيش وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة، والاستعانة بالخبراء، والاستجواب والمواجهة وغيرها من إجراءات التحقيق التي ينظمها النظام ولائحته التنفيذية.
ومن هنا يظهر الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي؛ فسماع الأقوال قد يكون جزءًا من مرحلة جمع المعلومات والاستدلال، بينما التحقيق أوسع نطاقًا ويتضمن إجراءات نظامية متعددة للوصول إلى حقيقة الواقعة.
رابعًا: ما الفرق بين سماع أقوال المتهم واستجوابه؟
هذه من أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها.
عند حضور المتهم لأول مرة للتحقيق، أوجبت المادة (101) من نظام الإجراءات الجزائية على المحقق تدوين بياناته الشخصية، وإبلاغه بالتهمة المنسوبة إليه، وإثبات ما يبديه بشأنها من أقوال في المحضر.
وتوضح اللائحة التنفيذية كيفية الاستجواب بصورة أكثر تفصيلًا؛ إذ يبدأ المحقق بسؤال المتهم بعد إحاطته بالتهمة، ثم يستجوبه تفصيلًا عن وقائعها، ويتحقق من أقواله، ويواجهه بالأدلة القائمة ضده عند إنكاره، بحسب مقتضيات التحقيق.
إذن فهناك فارق بين سماع أقوال الشخص بصورة أولية وبين استجواب المتهم تفصيلًا في التهمة والأدلة المرتبطة بها.
خامسًا: من يباشر كل إجراء؟
من أهم عناصر الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي معرفة الجهة التي تباشر الإجراء.
فرجال الضبط الجنائي يباشرون أعمال جمع المعلومات والاستدلال المتعلقة بالجريمة في حدود اختصاصاتهم النظامية، بينما يباشر المحقق إجراءات التحقيق وفق الأحكام المقررة في نظام الإجراءات الجزائية.
وفي مرحلة التحقيق، قد يستمع المحقق أيضًا إلى الشهود الذين يرى لزوم سماعهم بشأن الوقائع التي تساعد في إثبات الجريمة وظروفها أو إسنادها إلى المتهم أو براءته منها. وقد نظم النظام سماع الشهود في المواد (95) وما بعدها.
لذلك لا يكفي النظر إلى كون الشخص قد تم «سؤاله» فقط، وإنما يجب معرفة المرحلة التي تم فيها السؤال وصفة الجهة التي باشرت الإجراء وطبيعته.
هل سماع الأقوال يعني توجيه اتهام؟
ليس بالضرورة.
فقد تُسمع أقوال شخص لأنه شاهد على الواقعة، أو لديه معلومات يمكن أن تساعد في كشف حقيقتها، أو لوجود صلة تحتاج إلى التحقق منها.
لذلك فإن سماع الأقوال وحده لا يعني أن الشخص أصبح مدانًا، كما أن توجيه الاتهام نفسه لا يعني ثبوت الجريمة؛ فالإدانة تخضع لما ينتهي إليه نظر القضية والأدلة والحكم القضائي.
هل يجوز التأثير على المتهم أثناء الاستجواب؟
لا.
أكدت المادة (102) من نظام الإجراءات الجزائية أن الاستجواب يجب أن يتم في حالة لا يكون فيها تأثير على إرادة المتهم في إبداء أقواله، كما حظرت تحليفه واستعمال وسائل الإكراه ضده.
ولا يجوز استجوابه خارج مقر جهة التحقيق إلا لضرورة يقدرها المحقق.
كما توضح اللائحة التنفيذية تفاصيل تدوين أسئلة المحقق وإجابات المتهم والتحقق من أقواله والتعامل مع حالة الإنكار أو الامتناع عن الإجابة.
الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي باختصار
يمكن تلخيص المسألة في أن سماع الأقوال قد يكون إجراءً أوليًا لجمع المعلومات والاستدلال، بينما التحقيق الجنائي مرحلة أوسع تتضمن مجموعة من الإجراءات النظامية للوصول إلى حقيقة الواقعة وتقييم الأدلة.
كما أن سماع أقوال المتهم المقبوض عليه لدى رجل الضبط الجنائي يختلف عن استجوابه أمام المحقق؛ فالاستجواب يتناول التهمة بصورة أكثر تفصيلًا ويخضع لضمانات وإجراءات محددة.
ولهذا فإن معرفة المرحلة التي يوجد فيها الشخص تساعد على فهم طبيعة الإجراء الذي يتم اتخاذه بحقه.
أسئلة شائعة
هل سماع الأقوال يعني أن الشخص متهم؟
ليس بالضرورة، فقد يتم سماع أقوال شخص للحصول على معلومات عن الواقعة أو باعتباره شاهدًا أو شخصًا ذا صلة بها.
هل سماع أقوال المتهم هو نفسه استجوابه؟
لا. يميز النظام إجرائيًا بين سماع رجل الضبط الجنائي لأقوال المتهم المقبوض عليه وبين استجوابه لاحقًا بواسطة المحقق.
متى يتم إبلاغ المتهم بالتهمة المنسوبة إليه؟
تنص المادة (101) على أن المحقق عند حضور المتهم لأول مرة للتحقيق يبلغه بالتهمة المنسوبة إليه ويثبت ما يبديه بشأنها من أقوال.
هل يمكن إجبار المتهم على الاعتراف؟
لا، فالمادة (102) تحظر استعمال وسائل الإكراه أثناء الاستجواب، وتشترط أن يكون في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله.
الخلاصة
يظهر الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي في طبيعة كل مرحلة والجهة التي تباشرها والإجراءات التي يمكن اتخاذها خلالها.
فسماع الأقوال قد يكون هدفه الأولي جمع المعلومات وفهم الواقعة، بينما التحقيق الجنائي أوسع ويشمل إجراءات متعددة، ومن بينها استجواب المتهم وسماع الشهود ومواجهة الأدلة واتخاذ ما يلزم وفق النظام.
وفهم هذا الفرق يمنع الخلط بين مجرد سؤال الشخص عن واقعة وبين دخوله في مرحلة التحقيق بوصفه متهمًا.
وللاطلاع على الأحكام المنظمة لجمع المعلومات وسماع الأقوال والتحقيق واستجواب المتهم، يمكن الرجوع إلى نظام الإجراءات الجزائية السعودي ولائحته التنفيذية المنشورين عبر هيئة الخبراء بمجلس الوزراء.
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.