
ما الفرق بين تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها في السعودية؟
تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها من المفاهيم المهمة في نظام الإجراءات الجزائية السعودي؛ إذ يختلف بدء الإجراءات المتعلقة بالجريمة عن متابعة الدعوى أمام المحكمة المختصة.
وقد يعتقد البعض أن تقديم بلاغ عن جريمة يعني تلقائيًا إقامة الدعوى الجزائية أمام المحكمة، أو أن الشخص الذي تقدم بالبلاغ هو المسؤول عن إثبات الاتهام ومتابعة الدعوى العامة.
لكن النظام السعودي يحدد اختصاصات الجهات المعنية بإقامة الدعوى ومباشرتها، كما ينظم حق المجني عليه في رفع الدعوى المتعلقة بحقه الخاص.
وتنص المادة (15) من نظام الإجراءات الجزائية على اختصاص النيابة العامة بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها أمام المحاكم المختصة، وفقًا لنظامها.
أما المادة (16)، فتقرر حق المجني عليه أو من ينوب عنه أو وارثه في رفع الدعوى الجزائية في القضايا التي يتعلق بها حق خاص، ومباشرتها أمام المحكمة المختصة.
ولفهم هذه الأحكام، من المهم توضيح ستة فروق عملية بين تحريك الدعوى ومباشرتها.
1\. تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها من حيث المعنى
يقصد بتحريك الدعوى الجزائية، في الاستعمال القانوني، اتخاذ الإجراء الذي تبدأ به الدعوى وفق الأحكام النظامية.
أما مباشرة الدعوى، فتعني متابعة إجراءاتها وممارسة الصلاحيات المتعلقة بها أمام المحكمة المختصة.
ومن أمثلة مباشرة الدعوى العامة عرض الاتهام وتقديم الأدلة ومناقشتها وطلب ما يلزم للفصل في القضية.
وتوضح المادة (2) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية أن مباشرة الدعوى الجزائية العامة أمام المحاكم تشمل واجبات المدعي العام ومسؤولياته، ومنها تقديم البينات وإحضارها وتحمل عبء الإثبات.
فالفرق الأساسي أن التحريك يتعلق ببدء الدعوى، بينما تتعلق المباشرة بمتابعة إجراءاتها بعد إقامتها.
ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن نظام الإجراءات الجزائية يستخدم تعبير «إقامة الدعوى ومباشرتها»، ولذلك لا يصح اعتبار التحريك مرحلة مستقلة ذات تعريف نظامي واحد في جميع الأحوال.
2\. تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها من حيث الجهة المختصة
تتولى النيابة العامة، وفق المادة (15) من نظام الإجراءات الجزائية، إقامة الدعوى الجزائية العامة ومباشرتها أمام المحاكم المختصة.
وهذا الاختصاص يختلف عن دور رجل الضبط الجنائي الذي يتلقى البلاغات ويباشر إجراءات جمع الاستدلالات في حدود صلاحياته النظامية.
دور رجال الضبط الجنائي
يشمل دور رجال الضبط الجنائي، بحسب اختصاصهم، تلقي البلاغات والشكاوى وجمع المعلومات والاستدلالات المتعلقة بالجرائم.
لكن مباشرة هذه الأعمال لا تعني أن رجل الضبط أصبح هو المدعي العام أمام المحكمة.
دور النيابة العامة
تتولى النيابة العامة اختصاصات التحقيق والادعاء وفق الأنظمة المنظمة لعملها.
وعندما تتوافر الأسباب النظامية لإقامة الدعوى العامة، تتولى الجهة المختصة إجراءات إقامتها ومباشرتها أمام المحكمة.
وهكذا فإن تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها لا يعني أن جميع الإجراءات تقوم بها جهة واحدة منذ تلقي البلاغ وحتى صدور الحكم.
3\. الفرق بين تقديم البلاغ وتحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها
يُعد البلاغ وسيلة لإخبار الجهة المختصة بواقعة قد تشكل جريمة.
أما إقامة الدعوى الجزائية أمام المحكمة، فهي إجراء آخر تحكمه شروط واختصاصات محددة.
هل تقديم البلاغ يعني إقامة الدعوى؟
لا.
فقد يتقدم شخص ببلاغ عن واقعة، ثم تتخذ الجهة المختصة الإجراءات اللازمة لفحصها وجمع المعلومات المتعلقة بها.
وقد تستدعي الواقعة إجراء تحقيق، ثم تنتهي الإجراءات إلى إقامة الدعوى إذا توافرت أسبابها، أو إلى الحفظ وفق الأحكام النظامية.
مثال توضيحي:
إذا أبلغ شخص عن تعرضه لعملية احتيال مالي، فإن تقديم البلاغ لا يعني أن المتهم أصبح مدانًا أو أن القضية وصلت بالفعل إلى المحكمة.
بل يجب النظر في الواقعة والأدلة والإجراءات النظامية التي تسبق إقامة الدعوى.
وهذا يوضح أهمية التمييز بين الإبلاغ عن الجريمة وبين تحريك الدعوى ومباشرتها أمام القضاء.
4\. تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها في الحق العام والحق الخاص
من أهم المسائل المتعلقة بـتحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها التمييز بين الحق العام والحق الخاص.
ما المقصود بالحق العام؟
الحق العام يتعلق بمصلحة المجتمع في ملاحقة الجرائم وتطبيق الأحكام الجزائية وفق النظام.
وتتولى النيابة العامة إقامة الدعوى الجزائية العامة ومباشرتها أمام المحكمة المختصة.
ما المقصود بالحق الخاص؟
الحق الخاص يتعلق بما يطالب به المجني عليه أو صاحب الحق نتيجة الواقعة، وفق الأحكام النظامية.
وتنص المادة (16) على حق المجني عليه أو من ينوب عنه أو وارثه من بعده في رفع الدعوى الجزائية في القضايا التي يتعلق بها حق خاص ومباشرتها أمام المحكمة المختصة.
كما أوجبت المادة إبلاغ المدعي العام بالحضور في هذه الحالة.
وتوضح المادة (3) من اللائحة التنفيذية الأحكام الخاصة بهذه الدعوى، بما في ذلك شروط قبولها من حيث الصفة والاختصاص.
هل يملك المجني عليه مباشرة الدعوى العامة بدلًا من النيابة؟
لا ينبغي الخلط بين حق المجني عليه في مباشرة الدعوى المتعلقة بحقه الخاص وبين اختصاص النيابة العامة بمباشرة الدعوى الجزائية العامة.
فلكل منهما نطاقه النظامي، حتى عندما تكون الواقعة الواحدة متعلقة بحق عام وحق خاص معًا.
5\. تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها في الجرائم التي تتطلب شكوى
ليست جميع الجرائم متماثلة من حيث شروط البدء في التحقيق أو إقامة الدعوى.
فقد اشترطت المادة (17) من نظام الإجراءات الجزائية تقديم شكوى من المجني عليه أو من ينوب عنه أو وارثه، في الجرائم الواجب فيها حق خاص للأفراد.
لكن المادة نفسها قررت استثناءً إذا رأت النيابة العامة وجود مصلحة عامة في رفع الدعوى والتحقيق في هذه الجرائم.
ما أهمية الشكوى؟
الشكوى هنا ليست مجرد إخبار بوقوع جريمة، بل قد تكون شرطًا نظاميًا للبدء في التحقيق أو إقامة الدعوى في الحالات التي ينطبق عليها النص.
وتوضح المادة (4) من اللائحة التنفيذية أن المقصود بالجرائم الواجب فيها حق خاص للأفراد في هذا السياق هو ما اقتصر الضرر فيها على المجني عليه.
كما تبين أحكامًا تتعلق بتعدد المجني عليهم في الواقعة الواحدة.
وبالتالي فإن تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها قد يتأثر بطبيعة الجريمة ووجود شكوى من صاحب الحق، مع مراعاة الاستثناء المتعلق بالمصلحة العامة.
6\. تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها من حيث عبء الإثبات
من الفروق المهمة أيضًا أن مجرد تقديم بلاغ أو شكوى لا يجعل مقدمها مسؤولًا عن مباشرة الدعوى العامة أمام المحكمة.
ففي الدعوى الجزائية العامة، توضح المادة (2) من اللائحة التنفيذية أن من مسؤوليات المدعي العام تقديم البينات وإحضارها وتحمل عبء الإثبات.
وهذا يعني أن الادعاء العام لا يقتصر على عرض الاتهام، بل يتولى تقديم ما يسنده من أدلة وفق الإجراءات النظامية.
هل مجرد الاتهام يكفي للإدانة؟
لا.
فوجود بلاغ أو إقامة دعوى جزائية لا يعني ثبوت المسؤولية الجزائية على المتهم.
إذ يجب أن تنظر المحكمة المختصة الدعوى وتقيّم الأدلة وتفصل فيها وفق النظام.
كما أن تقديم الأدلة لا يعني بالضرورة اقتناع المحكمة بها؛ فالفصل في الدعوى يظل من اختصاص المحكمة.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين ثلاثة أمور:
* البلاغ: إخبار الجهة المختصة بواقعة.
* إقامة الدعوى: طرح الدعوى أمام المحكمة وفق الإجراءات النظامية.
* مباشرة الدعوى: متابعة إجراءاتها وتقديم الأدلة والطلبات أمام المحكمة.
مثال عملي على تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها
لنفترض أن شخصًا تقدم ببلاغ عن واقعة اعتداء.
تتلقى الجهة المختصة البلاغ وتباشر الإجراءات اللازمة وفق صلاحياتها.
وقد تُحال الواقعة إلى النيابة العامة للتحقيق، إذا استدعت طبيعتها ذلك.
فإذا انتهت الإجراءات إلى وجود أساس نظامي لإقامة الدعوى العامة، تُقام الدعوى أمام المحكمة المختصة.
وعند نظرها، يتولى المدعي العام مباشرتها، بما يشمل عرض الاتهام وتقديم الأدلة المتعلقة به.
أما إذا كان للمجني عليه حق خاص ناشئ عن الواقعة، فقد تكون له مطالبة مستقلة وفق الأحكام النظامية.
وبذلك يتضح أن البلاغ، والتحقيق، وإقامة الدعوى، ومباشرتها أمام المحكمة ليست إجراءً واحدًا، وإن كانت مترابطة ضمن مسار القضية.
أسئلة شائعة عن تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها
من يملك تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها في السعودية؟
تختص النيابة العامة بإقامة الدعوى الجزائية العامة ومباشرتها أمام المحاكم المختصة وفق المادة (15)، مع وجود أحكام خاصة بحق المجني عليه في رفع الدعوى المتعلقة بحقه الخاص وفق المادة (16).
هل تقديم بلاغ للشرطة يعني تحريك الدعوى أمام المحكمة؟
لا. تقديم البلاغ لا يعني تلقائيًا إقامة الدعوى أمام المحكمة؛ إذ قد تسبقه إجراءات استدلال وتحقيق وفق طبيعة الواقعة.
هل يستطيع المجني عليه رفع الدعوى الجزائية بنفسه؟
تقرر المادة (16) حق المجني عليه أو من ينوب عنه أو وارثه في رفع الدعوى الجزائية المتعلقة بحق خاص ومباشرتها أمام المحكمة المختصة، وفق شروطها النظامية.
هل جميع الجرائم تحتاج إلى شكوى من المجني عليه؟
لا. توجد جرائم لا يتوقف التحقيق أو إقامة الدعوى فيها على شكوى، بينما تخضع الجرائم المشمولة بالمادة (17) لأحكام خاصة، مع استثناء المصلحة العامة.
من يتحمل عبء الإثبات أمام المحكمة؟
يتحمل المدعي العام عبء الإثبات في الدعوى الجزائية العامة، وفق المادة (2) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية.
هل إقامة الدعوى تعني إدانة المتهم؟
لا. إقامة الدعوى تعني عرضها على المحكمة وفق النظام، أما الإدانة فتتطلب حكمًا قضائيًا بعد نظر الأدلة والإجراءات.
الخلاصة
تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها في السعودية
إن فهم تحريك الدعوى الجزائية ومباشرتها يساعد على التمييز بين بدء الدعوى ومتابعة إجراءاتها أمام المحكمة.
فالبلاغ قد يكون بداية التعامل مع واقعة جنائية، لكنه لا يعني تلقائيًا إقامة الدعوى أو ثبوت الاتهام.
وتختص النيابة العامة بإقامة الدعوى الجزائية العامة ومباشرتها وفق المادة (15)، بينما تنظم المادة (16) حق المجني عليه في رفع الدعوى المتعلقة بحقه الخاص.
كما أن بعض الجرائم تخضع لشرط الشكوى وفق المادة (17)، مع مراعاة الاستثناءات النظامية.
والقاعدة الأساسية أن تحريك الدعوى ومباشرتها يخضعان لاختصاصات وإجراءات محددة، وأن إقامة الدعوى لا تعني ثبوت الإدانة.
وللاطلاع على النص النظامي
استند المقال إلى المواد (15، 16، 17) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي، والمواد (2، 3، 4) من لائحته التنفيذية.
[نظام الإجراءات الجزائية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء]
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.