
هل يمكن مراقبة مكالمة هاتفية أو محادثة إلكترونية لمجرد وجود اشتباه في ارتكاب جريمة؟
الإجابة: لا يقرر النظام سلطة مفتوحة لمراقبة الاتصالات.
فالأصل أن الرسائل والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال لها حرمة، وقد قررت المادة (56) من نظام الإجراءات الجزائية عدم جواز الاطلاع عليها أو مراقبتها إلا بأمر مسبب ولمدة محددة وفقًا للنظام.
ولهذا فإن مراقبة المكالمات والمحادثات في السعودية تخضع لضوابط تتعلق بسبب الإجراء، والجهة المختصة، ومدة المراقبة، وكيفية التعامل مع ما ينتج عنها من معلومات.
أولًا: الأصل هو حرمة وسائل الاتصال
تنص المادة (56) من نظام الإجراءات الجزائية على حرمة الرسائل البريدية والبرقية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال.
وهذه الحماية تتفق كذلك مع المادة (40) من النظام الأساسي للحكم، التي تقرر صيانة المراسلات ووسائل الاتصال وعدم جواز مصادرتها أو تأخيرها أو الاطلاع عليها أو الاستماع إليها إلا في الحالات التي يبينها النظام.
إذن، نقطة البداية عند الحديث عن مراقبة المكالمات والمحادثات في السعودية هي الحماية، وليس إباحة المراقبة.
ثانيًا: متى تجوز مراقبة المحادثات الهاتفية؟
وضعت المادة (57) شرطًا جوهريًا، وهو أن تكون المراقبة والتسجيل مفيدين في ظهور الحقيقة في جريمة وقعت.
أي أن المراقبة في إطار هذه المادة مرتبطة بتحقيق جنائي وغاية محددة تتمثل في كشف الحقيقة بشأن جريمة وقعت.
كما اشترط النظام أن يكون الإذن مسببًا، فلا تكون المراقبة إجراءً مجردًا من السبب أو الغاية النظامية.
ثالثًا: من يملك الإذن بالمراقبة والتسجيل؟
تنص المادة (57) في النص المنشور لنظام الإجراءات الجزائية على الجهة صاحبة صلاحية الأمر بضبط الرسائل والإذن بمراقبة المحادثات الهاتفية وتسجيلها.
وبذلك فإن مراقبة المكالمات والمحادثات في السعودية ليست قرارًا يباشره أي شخص أو جهة لمجرد وجود اشتباه، وإنما إجراء يخضع للاختصاص والإذن المنظم في النظام.
> ملاحظة تحريرية مهمة: بعض النصوص الرسمية المنشورة ما زالت تستخدم المسمى القديم «هيئة التحقيق والادعاء العام»، بينما المسمى الحالي للجهة هو «النيابة العامة»، لذلك الأفضل في المقال التوعوي التركيز على «الجهة المختصة نظامًا» عند شرح القاعدة للجمهور.
رابعًا: ما مدة مراقبة المكالمات؟
حدد النظام مدة واضحة.
فالإذن بمراقبة المحادثات الهاتفية وتسجيلها يجب أن يكون محددًا بمدة لا تزيد على عشرة أيام.
ويمكن تجديده وفق مقتضيات التحقيق.
لكن هناك تفصيل مهم جدًا في اللائحة التنفيذية: إذا تحقق الغرض المقصود من ضبط أو مراقبة وسائل الاتصال، ينتهي الإجراء حتى لو لم تنتهِ المدة المحددة في الأمر أو الإذن.
وبالتالي فإن مدة العشرة أيام ليست تصريحًا بضرورة استمرار المراقبة طوالها إذا انتهى الغرض قبل ذلك.
خامسًا: هل تشمل الحماية تطبيقات التواصل الحديثة؟
نعم، وهذه من أهم النقاط في الموضوع.
فالمادة (37) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية نصت على أن حكم المادة (56) يشمل:
«وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة غير العلنية».
وهذا يعني أن الحماية النظامية لا ينبغي فهمها على أنها مقتصرة على المكالمات الهاتفية التقليدية فقط.
فالمحادثات الإلكترونية الخاصة تدخل أيضًا في نطاق الحماية التي قررتها اللائحة.
ومن هنا يتضح أن مراقبة المكالمات والمحادثات في السعودية أصبحت مسألة تشمل وسائل الاتصال الحديثة، وليس الهاتف التقليدي وحده.
سادسًا: هل المراقبة تعني الاطلاع غير المحدود على كل شيء؟
لا ينبغي فهم الإذن بهذه الصورة.
فالنظام يربط المراقبة بغرض محدد هو الاستفادة منها في ظهور الحقيقة في جريمة وقعت، كما يوجب أن يكون الإذن مسببًا ومحددًا بمدة.
وتضيف اللائحة أن المراقبة تنتهي بمجرد تحقق الغرض المقصود، حتى لو بقي جزء من المدة المحددة.
وبالتالي فإن الإجراء مرتبط بسبب وغرض ومدة، وليس إذنًا مفتوحًا بلا حدود زمنية.
سابعًا: من يطلع على التسجيلات والمراسلات المضبوطة؟
نظمت المادة (58) هذه المسألة بوضوح.
فقد قررت أن المحقق وحده يطلع على الخطابات والرسائل والأوراق والأشياء الأخرى المضبوطة، وله الاستماع إلى التسجيلات.
كما يجوز له، بحسب مقتضيات التحقيق، أن يأمر بضمها أو نسخ منها إلى ملف القضية، أو بردها إلى من كان حائزًا لها أو مرسلة إليه.
وهذا يوضح أن الحصول على تسجيل أو رسالة خلال التحقيق لا يعني أن محتواها يصبح متاحًا للتداول دون ضوابط.
هل يجوز استمرار المراقبة بعد تحقق الغرض منها؟
لا.
وهذه نقطة تستحق التأكيد لأنها قد تُفهم خطأ.
تنص المادة (38) من اللائحة التنفيذية على انتهاء ضبط أو مراقبة وسائل الاتصال بتحقق الغرض المقصود حتى لو لم تكن المدة المحددة في الأمر أو الإذن قد انتهت.
فإذا كان الإذن لمدة عشرة أيام مثلًا، وتحقق الغرض قبل انتهائها، فإن اللائحة لا تجعل مجرد بقاء أيام في الإذن سببًا لاستمرار الإجراء.
هل مراقبة المكالمات هي نفسها تفتيش الجوال؟
لا، وهنا نربط مقال اليوم بمقال الأمس.
تفتيش أو فحص الجوال يتعلق بجهاز موجود بالفعل وما يحتويه من بيانات.
أما مراقبة المحادثات الهاتفية وتسجيلها فتتعلق بمتابعة وسيلة اتصال وفق الإذن والمدة والغرض المحدد نظامًا.
ولهذا لا يصح التعامل مع ضبط الجوال، وفحص محتواه، ومراقبة الاتصالات وكأنها إجراء قانوني واحد؛ فلكل مسألة أحكامها بحسب طبيعة الإجراء.
ماذا يحدث للمعلومات التي يتم الحصول عليها؟
قرر النظام حماية سرية المعلومات المرتبطة بالأشياء والأوراق المضبوطة.
فالمادة (61) تلزم المحقق ومن يطلع بسبب التفتيش على معلومات تتعلق بالأشياء والأوراق المضبوطة بالمحافظة على سريتها، وتحظر الانتفاع بها أو إفشاءها لغير من أجاز النظام اطلاعهم عليها.
كما تمنح اللائحة التنفيذية المتضرر من إفشاء المعلومات دون مسوغ نظامي حق إقامة الدعوى على المتسبب أمام المحكمة المختصة.
أسئلة شائعة
هل يجوز مراقبة المكالمات لمجرد الاشتباه؟
المادة (57) تربط الإذن بالمراقبة والتسجيل بوجود فائدة في ظهور الحقيقة في جريمة وقعت، وتشترط أن يكون الإذن مسببًا ومحددًا بمدة.
كم مدة الإذن بالمراقبة؟
لا تزيد على عشرة أيام، ويمكن تجديدها وفق مقتضيات التحقيق. كما تنتهي المراقبة قبل انتهاء المدة إذا تحقق الغرض المقصود منها.
هل تشمل الأحكام المحادثات الإلكترونية الخاصة؟
نعم. اللائحة التنفيذية تنص صراحة على شمول وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة غير العلنية بحكم المادة (56).
هل يجوز الاستمرار في المراقبة حتى نهاية مدة الإذن رغم تحقق الغرض؟
لا؛ تنص اللائحة على انتهاء المراقبة بتحقق الغرض المقصود حتى لو لم تنتهِ المدة المحددة.
من يستمع إلى التسجيلات المضبوطة؟
وفق المادة (58)، للمحقق وحده الاطلاع على الأشياء المشار إليها والاستماع إلى التسجيلات، والتصرف فيها بحسب مقتضيات التحقيق في الحدود التي قررها النظام.
الخلاصة
تقوم أحكام مراقبة المكالمات والمحادثات في السعودية على قاعدة واضحة: وسائل الاتصال لها حرمة، والمراقبة ليست إجراءً مفتوحًا بلا قيود.
فالنظام يشترط وجود غرض مرتبط بكشف الحقيقة في جريمة وقعت، وإذن مسبب، ومدة لا تزيد على عشرة أيام قابلة للتجديد بحسب مقتضيات التحقيق.
كما أكدت اللائحة أن الحماية تمتد إلى وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة غير العلنية، وأن المراقبة يجب أن تتوقف بمجرد تحقق الغرض منها.
لذلك فوجود التقنية التي تسمح بالمراقبة لا يعني بذاته وجود السلطة النظامية لاستخدامها؛ فالسلطة يحددها النظام وضوابطه.
وللاطلاع على النص النظامي
يراجع بصفة خاصة الفصل الخاص بـ ضبط الرسائل ومراقبة المحادثات، والمواد (56–61) من نظام الإجراءات الجزائية، والمواد (37–41) من لائحته التنفيذية.
[نظام الإجراءات الجزائية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء]
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.