
قد يقر المتهم أثناء التحقيق بارتكاب الواقعة المنسوبة إليه، ثم يغير أقواله أو ينكرها لاحقًا أمام جهة التحقيق أو المحكمة.
وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يحدث عند إقرار المتهم والرجوع عنه؟ هل يختفي الاعتراف السابق بمجرد إنكاره؟ وهل تلتزم المحكمة بالأقوال الأولى؟ أم تنظر إلى جميع الأدلة والظروف المحيطة بالقضية؟
الإجابة تتطلب التمييز بين مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة، وبين مجرد صدور أقوال من المتهم وبين تقدير قيمتها في الإثبات.
أولًا: ماذا يحدث عندما يقر المتهم أثناء التحقيق؟
نظم نظام الإجراءات الجزائية استجواب المتهم، ووضع ضمانات تتعلق بالطريقة التي تؤخذ بها أقواله.
فإذا اعترف المتهم أثناء التحقيق، لا تقتصر مهمة المحقق على تسجيل الاعتراف، وإنما يُستجوب المتهم تفصيلًا عن وقائع التهمة، ويجري التحقق من صدق أقواله ومن الأدلة المساندة لها.
ولهذا فإن إقرار المتهم والرجوع عنه يجب ألا يُفهم بمعزل عن بقية عناصر التحقيق؛ فالهدف ليس مجرد الحصول على اعتراف، وإنما التحقق من حقيقة الواقعة.
ثانيًا: هل يجوز التأثير على المتهم للحصول على الاعتراف؟
لا.
تنص المادة (102) من نظام الإجراءات الجزائية على وجوب إجراء الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله، وتحظر استعمال وسائل الإكراه ضده.
وهذا أمر أساسي عند تقييم الاعتراف؛ لأن الظروف التي صدر فيها تدخل ضمن المسائل المهمة عند فحص سلامة الأقوال.
كما أن النظام يحظر إيذاء المقبوض عليه جسديًا أو معنويًا وتعريضه للتعذيب أو المعاملة المهينة للكرامة.
وبالتالي فإن قيمة الاعتراف لا تنفصل عن سلامة الإجراءات التي صدر خلالها.
ثالثًا: ماذا لو رجع المتهم عن اعترافه أثناء التحقيق؟
الرجوع عن الاعتراف لا يعني ببساطة محو كل ما سبق تسجيله في ملف القضية.
فعند تغيير المتهم لأقواله، يصبح من المهم فحص الاعتراف السابق والإنكار اللاحق في ضوء ظروف صدور كل منهما وما يوجد في القضية من أدلة وقرائن.
ولهذا لا يصح وضع قاعدة مبسطة تقول إن إقرار المتهم والرجوع عنه يؤدي حتمًا إلى الإدانة، كما لا يصح القول إن مجرد الرجوع يُسقط الاعتراف السابق تلقائيًا.
والأدق أن الأقوال تُفحص ضمن مجمل عناصر القضية وفق الإجراءات النظامية.
رابعًا: ما الفرق بين الاعتراف أثناء التحقيق والاعتراف أمام المحكمة؟
هذه من أهم النقاط.
الاعتراف الصادر في مرحلة التحقيق يرد ضمن إجراءات التحقيق التي تسبق إحالة الدعوى إلى المحكمة.
أما إذا اعترف المتهم بالتهمة أمام المحكمة، فإن المادة (161) من نظام الإجراءات الجزائية تنظم طريقة التعامل معه؛ فتسمع المحكمة أقواله تفصيلًا وتناقشه فيها.
فإذا اطمأنت المحكمة إلى صحة الاعتراف ورأت عدم الحاجة إلى أدلة أخرى، جاز لها الاكتفاء به والفصل في القضية، ولها أن تستكمل التحقيق إذا وجدت داعيًا لذلك.
إذن، ليس كل اعتراف في القضية في المرتبة الإجرائية نفسها.
خامسًا: هل رجوع المتهم عن الاعتراف يعني البراءة؟
لا يمكن اعتبار مجرد الرجوع عن الاعتراف سببًا تلقائيًا للبراءة.
فالنتيجة لا تتحدد بمجرد وجود اعتراف سابق أو إنكار لاحق، وإنما تنظر المحكمة في الدعوى وما يقدم فيها من أدلة، وتفصل فيها وفقًا للإجراءات النظامية.
وهذا هو الجانب الأهم في موضوع إقرار المتهم والرجوع عنه: تغيير الأقوال واقعة مهمة في القضية، لكنه ليس وحده حكمًا على النتيجة النهائية.
فقد توجد أدلة أخرى مستقلة، وقد تثار مسائل تتعلق بظروف صدور الاعتراف أو مدى مطابقته للواقع، وهي مسائل تخضع للفحص والتقدير في القضية.
هل الرجوع عن الاعتراف يلغي محضر التحقيق؟
لا يؤدي تغيير المتهم لأقواله بذاته إلى محو ما سبق إثباته في محضر التحقيق.
فالمحضر يظل متضمنًا للإجراءات والأقوال التي جرت في مرحلة التحقيق، ويصبح اختلاف الأقوال من المسائل التي يمكن فحصها في ضوء بقية الأدلة والظروف.
ومن هنا تظهر أهمية تدوين إجراءات التحقيق وأقوال المتهم على النحو الذي يقرره النظام.
ماذا لو قال المتهم إن اعترافه السابق صدر بالإكراه؟
هنا تختلف المسألة عن مجرد تغيير الرأي أو الإنكار.
فالنظام يحظر استعمال وسائل الإكراه أثناء الاستجواب، ويشترط ألا يكون المتهم في حالة تؤثر على إرادته في إبداء أقواله.
ولذلك فإن الادعاء بأن الاعتراف صدر تحت الإكراه يثير مسألة تتعلق بسلامة الاعتراف وظروف الحصول عليه، وهي مسألة يجب التحقق منها وفق الإجراءات النظامية، ولا يصح افتراض نتيجتها مسبقًا.
هل تختلف قيمة الاعتراف بحسب المرحلة التي صدر فيها؟
نعم، ويجب التمييز بين الأقوال الصادرة خلال التحقيق وبين الاعتراف الذي يصدر أمام المحكمة.
فالمادة (161) أعطت المحكمة تنظيمًا واضحًا عند اعتراف المتهم أمامها؛ إذ تناقشه في اعترافه، ثم تقرر وفق ما يظهر لها ما إذا كانت تكتفي به أو تستكمل التحقيق.
أما الاعتراف في مرحلة التحقيق فيخضع لإجراءات الاستجواب والتحقق من الأقوال والأدلة قبل إحالة القضية.
ولهذا فإن إقرار المتهم والرجوع عنه لا يمكن تقييمه بعيدًا عن المرحلة التي صدر فيها كل قول.
ماذا عن قواعد الإقرار في نظام الإثبات؟
نظام الإثبات ينص في نطاقه العام على أحكام للإقرار، ومنها أن الإقرار القضائي حجة على المقر وأن الأصل عدم قبول الرجوع عنه.
لكن توجد هنا دقة مهمة في القضايا الجزائية: نظام الإثبات ينص أصلًا على سريانه على المعاملات المدنية والتجارية، في حين عدلت المادة (218) من نظام الإجراءات الجزائية لتنص على تطبيق أحكام نظام الإثبات فيما لم يرد فيه حكم في نظام الإجراءات الجزائية وبما لا يتعارض مع طبيعة القضايا الجزائية.
لذلك لا يصح نقل قاعدة مدنية عن الإقرار وتطبيقها آليًا على اعتراف المتهم في الدعوى الجزائية دون مراعاة الأحكام الجزائية الخاصة وطبيعة القضية.
أسئلة شائعة
هل يستطيع المتهم الرجوع عن اعترافه؟
قد يغير المتهم أقواله أو ينكر ما سبق أن قرره، لكن أثر ذلك على القضية لا يختزل في قاعدة واحدة؛ بل تُفحص الأقوال السابقة واللاحقة في ضوء الإجراءات والأدلة الموجودة في القضية.
هل يؤدي الرجوع عن الاعتراف إلى سقوطه تلقائيًا؟
لا يصح القول إن مجرد الرجوع يمحو الاعتراف السابق تلقائيًا، كما لا يصح اعتباره كافيًا وحده للإدانة. ويظل تقدير الأقوال مرتبطًا بظروفها وبقية عناصر القضية.
هل الاعتراف أمام المحكمة يختلف عن الاعتراف أثناء التحقيق؟
نعم. إذا اعترف المتهم أمام المحكمة، تسمع أقواله تفصيلًا وتناقشه فيها، ولها وفق المادة (161) أن تكتفي باعترافه إذا اطمأنت إلى صحته ولم تر حاجة إلى أدلة أخرى، أو أن تستكمل التحقيق عند الحاجة.
ماذا إذا كان الاعتراف نتيجة إكراه؟
يحظر النظام استعمال وسائل الإكراه ضد المتهم أثناء الاستجواب، كما يشترط إجراءه في حال لا تؤثر على إرادته في إبداء أقواله؛ ومن ثم فإن الادعاء بالإكراه يتعلق بسلامة الاعتراف وظروف صدوره ويستلزم التحقق منه.
هل الرجوع عن الاعتراف يعني براءة المتهم؟
ليس بمجرده. الحكم في الدعوى يتحدد وفق ما يثبت أمام المحكمة من أدلة وبعد اتباع الإجراءات النظامية، وليس بمجرد الانتقال من الاعتراف إلى الإنكار.
الخلاصة
تتطلب مسألة إقرار المتهم والرجوع عنه التمييز بين عدة أمور: الاعتراف أثناء التحقيق، والاعتراف أمام المحكمة، وتغيير المتهم لأقواله، والادعاء بأن الاعتراف صدر تحت الإكراه.
فالرجوع عن الاعتراف لا ينبغي وصفه بأنه يمحو الاعتراف السابق تلقائيًا، كما أن الاعتراف السابق لا يعني بذاته أن الإدانة أصبحت حتمية.
وإنما تُفحص الأقوال في سياق القضية، مع مراعاة سلامة الإجراءات والظروف التي صدرت فيها وما يرتبط بها من أدلة، ويبقى الفصل في الدعوى للمحكمة وفق النظام.
وللاطلاع على النص النظامي
يمكن الرجوع إلى نظام الإجراءات الجزائية السعودي ولائحته التنفيذية، وبصفة خاصة الأحكام المنظمة لاستجواب المتهم واعترافه وإجراءات المحاكمة.
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.