
هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم في السعودية؟
للإجابة عن سؤال هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم، يجب أولًا التمييز بين الجرائم الكبيرة وغيرها من الجرائم؛ لأن نظام الإجراءات الجزائية لم يجعل التحقيق إلزاميًا بالصورة نفسها في جميع القضايا.
ففي الجرائم الكبيرة يكون التحقيق واجبًا، بينما يختلف الأمر في الجرائم الأخرى بحسب ظروف القضية وأهميتها والمسار الإجرائي الذي يسمح به النظام.
عند وقوع جريمة وبدء الإجراءات بشأنها، قد يعتقد البعض أن كل قضية جزائية يجب أن تمر بالمسار نفسه: بلاغ، ثم ضبط، ثم تحقيق كامل، ثم إحالة إلى المحكمة.
لكن نظام الإجراءات الجزائية السعودي يفرق بين الحالات.
فالسؤال: هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم؟ إجابته تتوقف بصورة أساسية على تصنيف الجريمة وظروف القضية وأهميتها.
وقد حددت المادة (65) من نظام الإجراءات الجزائية متى يكون التحقيق واجبًا، ومتى يملك المحقق إجراء التحقيق أو اتباع مسار آخر يسمح به النظام.
أولًا: متى يكون التحقيق الجنائي إلزاميًا؟
نصت المادة (65) على وجوب قيام المحقق بالتحقيق في جميع الجرائم الكبيرة وفقًا لما هو منصوص عليه في النظام.
وبالتالي، إذا كانت الواقعة مصنفة ضمن الجرائم الكبيرة، فلا يكون التحقيق مجرد خيار إجرائي، وإنما أوجبه النظام قبل الانتقال إلى المراحل التالية للقضية.
وهنا تظهر أهمية معرفة تصنيف الجريمة؛ لأن وصف الجريمة بأنها من الجرائم الكبيرة لا يرتبط فقط بموضوع التوقيف، وإنما يترتب عليه أيضًا أثر في مسار التحقيق.
وقد تناولنا في مقال سابق الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف في السعودية، ويمكن ربطه داخليًا بهذا الجزء.
ثانيًا: ماذا عن الجرائم غير الكبيرة؟
هنا تختلف القاعدة.
فالمادة (65) لم تجعل التحقيق واجبًا في كل جريمة غير كبيرة، وإنما منحت المحقق في غير الجرائم الكبيرة إمكانية إجراء التحقيق إذا وجد أن ظروف القضية أو أهميتها تستلزم ذلك.
وهذا يعني أن مجرد كون الجريمة غير مصنفة ضمن الجرائم الكبيرة لا يعني بالضرورة عدم إجراء تحقيق فيها.
فقد تكون الجريمة غير كبيرة من حيث التصنيف، ومع ذلك تستدعي ظروف الواقعة أو أهميتها مباشرة إجراءات التحقيق.
وبالتالي فإن الإجابة عن سؤال هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم؟ تحتاج إلى التمييز بين الجرائم الكبيرة وغيرها.
ثالثًا: هل يمكن رفع الدعوى دون إجراء تحقيق كامل؟
نعم، في النطاق الذي حددته المادة (65).
ففي غير الجرائم الكبيرة، أجاز النظام للمحقق -بدلًا من إجراء التحقيق عندما لا تستدعي ظروف القضية أو أهميتها ذلك- أن يرفع الدعوى عن طريق تكليف المتهم بالحضور مباشرة أمام المحكمة المختصة.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الوصول إلى المحكمة لا يعني بالضرورة أن كل قضية مرت قبلها بسلسلة واحدة متطابقة من إجراءات التحقيق.
فالنظام نفسه يضع أكثر من مسار إجرائي بحسب طبيعة القضية.
رابعًا: هل عدم إجراء التحقيق يعني عدم وجود إجراءات سابقة؟
لا.
يجب التمييز بين أعمال الضبط وجمع الاستدلالات وبين التحقيق.
فرجال الضبط الجنائي يتولون البحث عن مرتكبي الجرائم وجمع المعلومات والأدلة اللازمة للتحقيق والاتهام، كما يقبلون البلاغات والشكاوى ويقومون بفحصها وجمع المعلومات المتعلقة بها وإثباتها في المحاضر وفق النظام واللائحة التنفيذية.
وبالتالي فإن عدم الحاجة إلى تحقيق كامل في إحدى الحالات التي يسمح بها النظام لا يعني أن الواقعة انتقلت إلى المحكمة دون أي إجراءات أو معلومات سابقة.
بل قد تسبق ذلك أعمال ضبط واستدلال وجمع للمعلومات والأدلة المتعلقة بالواقعة.
خامسًا: ما الذي يميز التحقيق عن جمع الاستدلالات؟
جمع الاستدلالات يركز على تلقي البلاغات والشكاوى والبحث والتحري وجمع المعلومات والأدلة الأولية المتعلقة بالجريمة.
أما التحقيق، فقد خصص له نظام الإجراءات الجزائية بابًا مستقلًا ونظم داخله مجموعة من الإجراءات؛ ومن بينها الخبرة والمعاينة وسماع الشهود والاستجواب وغيرها بحسب حاجة القضية.
كما قرر النظام ضمانات مرتبطة بهذه المرحلة؛ ومنها حق المتهم في الاستعانة بوكيل أو محام للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة.
ولهذا لا ينبغي استخدام مصطلحي جمع الاستدلالات والتحقيق باعتبارهما شيئًا واحدًا.
هل يعني التحقيق أن القضية ستصل إلى المحكمة؟
ليس بالضرورة.
فالتحقيق وسيلة لفحص القضية وليس حكمًا مسبقًا على نتيجتها.
وقد نظم النظام حالة يرى فيها المحقق عدم وجود وجه للسير في الدعوى، فيوصي بحفظ الأوراق، ويصدر أمر الحفظ من رئيس الدائرة التي يتبعها المحقق.
كما توضح اللائحة التنفيذية أن حفظ الأوراق يكون قبل اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق، وأنه يعد إجراءً إداريًا ويمكن الرجوع عنه.
ولذلك يجب التمييز أيضًا بين مجرد ورود الواقعة، وبدء التحقيق فيها، والقرار النهائي بشأن السير في الدعوى.
ما أهمية تصنيف الجريمة؟
تصنيف الجريمة يؤثر في أكثر من جانب من جوانب الإجراءات الجزائية.
وفي موضوعنا تحديدًا، جعلت المادة (65) وصف الجريمة بأنها من الجرائم الكبيرة عنصرًا أساسيًا في تحديد إلزامية التحقيق.
فالجرائم الكبيرة يجب التحقيق فيها، أما غيرها فقد يجري التحقيق فيها إذا استدعت ظروفها أو أهميتها ذلك، أو يسلك المسار الآخر الذي أجازه النظام.
وهذا يوضح لماذا لا يمكن افتراض أن جميع القضايا الجزائية تسير بالطريقة نفسها.
هل يختلف مسار القضية بحسب نوع الجريمة؟
نعم، ولذلك فإن التساؤل هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم لا يمكن الإجابة عنه بقاعدة واحدة تنطبق على كل القضايا.
فتصنيف الجريمة وظروفها يؤثران في تحديد مسارها الإجرائي، وقد تستلزم بعض القضايا غير الكبيرة إجراء التحقيق، بينما يجيز النظام في حالات أخرى رفع الدعوى بالطريق المحدد نظامًا دون المرور بتحقيق كامل.
وبذلك يتضح أن سؤال هل التحقيق الجنائي إلزامي في جميع الجرائم يرتبط بطبيعة الجريمة وظروف القضية، وليس بمجرد وجود اتهام أو بلاغ.
أسئلة شائعة
هل التحقيق واجب في كل جريمة كبيرة؟
نعم. تقرر المادة (65) وجوب قيام المحقق بالتحقيق في جميع الجرائم الكبيرة وفق أحكام النظام.
هل الجريمة غير الكبيرة لا يتم التحقيق فيها؟
ليس صحيحًا. يجوز للمحقق إجراء التحقيق فيها إذا وجد أن ظروف القضية أو أهميتها تستلزم ذلك.
هل يمكن وصول قضية إلى المحكمة دون تحقيق كامل؟
في غير الجرائم الكبيرة، أجازت المادة (65) رفع الدعوى بتكليف المتهم بالحضور مباشرة أمام المحكمة المختصة بدلًا من إجراء التحقيق، وفق المسار الذي حددته المادة.
هل جمع الاستدلالات هو التحقيق؟
لا. لكل مرحلة طبيعتها وأحكامها، وقد نظم النظام أعمال الضبط الجنائي وجمع المعلومات، ثم خصص بابًا مستقلًا لإجراءات التحقيق.
هل وجود تحقيق يعني ثبوت التهمة؟
لا. ثبوت الإدانة لا يكون لمجرد إجراء التحقيق؛ فالنظام ينص على عدم جواز توقيع عقوبة جزائية إلا بعد ثبوت الإدانة عقب محاكمة وفق المقتضى الشرعي والنظامي.
الخلاصة
إذن، التحقيق الجنائي ليس إلزاميًا بالطريقة نفسها في جميع الجرائم.
ففي الجرائم الكبيرة أوجب نظام الإجراءات الجزائية على المحقق إجراء التحقيق، بينما أجاز له في غيرها إجراء التحقيق إذا كانت ظروف القضية أو أهميتها تستلزم ذلك، أو رفع الدعوى بتكليف المتهم بالحضور مباشرة أمام المحكمة المختصة.
وهذا الاختلاف يؤكد أن الإجراءات الجزائية لا تسير في قالب واحد لجميع القضايا، وإنما يحدد النظام المسار المناسب بحسب طبيعة الجريمة وظروف القضية.
وللاطلاع على النص النظامي
يمكن الرجوع إلى نظام الإجراءات الجزائية السعودي ولائحته التنفيذية، وبصفة خاصة المادة (65) والأحكام المنظمة لأعمال الضبط وإجراءات التحقيق.
[نظام الإجراءات الجزائية –بهيئة الخبراء بمجلس الوزراء
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.