
بعد جمع المعلومات والاستدلالات حول الجريمة، قد تنتقل القضية إلى مرحلة أكثر تفصيلًا، وهي مرحلة التحقيق، التي نظمها نظام الإجراءات الجزائية وحدد ما يمكن اتخاذه خلالها من إجراءات.
ولا تسير جميع القضايا بالطريقة نفسها؛ فقد تحتاج قضية إلى معاينة مكان الجريمة، بينما تعتمد أخرى على شهادة الشهود أو الخبرة الفنية أو استجواب المتهم أو فحص الأشياء والمستندات المرتبطة بالواقعة.
ولهذا فإن فهم إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية يساعد على معرفة ما يحدث داخل هذه المرحلة، وكيف تنتقل القضية من جمع الأدلة وفحصها إلى اتخاذ القرار بشأن حفظها أو رفعها إلى المحكمة.
1. الانتقال إلى مكان الجريمة والمعاينة
من إجراءات التحقيق المهمة الانتقال إلى مكان وقوع الجريمة عندما تقتضي القضية ذلك.
وتنص المادة (79) من نظام الإجراءات الجزائية على انتقال المحقق، عند الاقتضاء، فور إبلاغه بوقوع جريمة داخلة في اختصاصه إلى مكان وقوعها لإجراء المعاينة اللازمة قبل زوال معالم الجريمة أو طمسها أو تغييرها، دون أن يحول ذلك دون إسعاف المصابين.
وتوضح اللائحة التنفيذية أن المحقق يباشر معاينة مكان وقوع الجريمة بنفسه، ويجوز له ندب أحد رجال الضبط الجنائي لمباشرتها وفق الأحكام المنظمة للندب.
كما يمكن الاستعانة بخبراء الأدلة الجنائية للبحث عن الآثار التي قد تفيد التحقيق، مثل البصمات والآثار المادية وغيرها.
2. الاستعانة بالخبراء
قد تحتوي القضية على مسائل فنية لا يمكن حسمها بمجرد الأقوال أو المحاضر.
وهنا تظهر أهمية الخبرة باعتبارها أحد إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية.
وتوضح اللائحة التنفيذية أن ندب المحقق للخبير يكون مكتوبًا، مع تحديد المهمة المطلوبة والمدة المحددة لإنجازها، ويخضع الخبير أثناء مباشرته لمهمته لرقابة المحقق.
وبعد إنجاز المهمة يقدم الخبير تقريرًا يتضمن ما قام به من فحص وما توصل إليه من نتائج، ويضم التقرير ومرفقاته إلى ملف الدعوى.
فالخبرة قد تكون وسيلة مهمة لفهم دليل فني، لكنها تظل جزءًا من عناصر القضية التي يجري فحصها مع بقية الأدلة.
3. التفتيش وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة
قد يستلزم التحقيق البحث عن أشياء أو مستندات مرتبطة بالواقعة.
وقد نص النظام على أن تفتيش المساكن من أعمال التحقيق، وربطه بشروط محددة؛ منها وجود اتهام بارتكاب جريمة موجه إلى شخص يقيم في المسكن المراد تفتيشه أو الاشتباه في مشاركته فيها، أو وجود قرائن تدل على حيازته أشياء تتعلق بالجريمة.
كما أجاز النظام ضبط الأشياء التي يحتمل استخدامها في ارتكاب الجريمة أو الناتجة عنها، وما يمكن أن يفيد في كشف الحقيقة.
لذلك فالتفتيش ليس إجراءً تلقائيًا في كل تحقيق، وإنما يرتبط بتوافر أسبابه وضوابطه النظامية.
4. سماع الشهود
قد تكون لدى بعض الأشخاص معلومات تساعد على كشف حقيقة الواقعة، ولذلك نظم النظام سماع الشهود ضمن مرحلة التحقيق.
ولا تقتصر أهمية الشهادة على مجرد تسجيل أقوال الشخص، بل يمكن أن تقتضي ظروف القضية مناقشة الشهود أو إجراء مواجهة عند وجود اختلاف بين الأقوال.
وتوضح اللائحة التنفيذية أن للمحقق اتخاذ ما يلزم لمنع اتصال الشهود الحاضرين بعضهم ببعض حتى ينتهي من سماع شهادة كل منهم، كما نظمت كيفية إجراء المواجهة عند الحاجة.
وبالتالي فإن سماع الشهود يمثل جزءًا من عملية جمع وفحص عناصر القضية، وليس مجرد إجراء شكلي.
5. استجواب المتهم ومواجهته بالأدلة
يعد الاستجواب من أبرز إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية، وهو يختلف عن مجرد سماع الأقوال في مرحلة جمع الاستدلالات.
وتضع اللائحة ضوابط دقيقة لمحضر التحقيق عند استجواب المتهم؛ فيُثبت فيه المحقق والكاتب والمترجم -إن وجد- والحاضرون ومكان وتاريخ وساعة تحرير المحضر والتهمة المنسوبة إلى المتهم، إضافة إلى البيانات اللازمة لإثبات شخصية من تؤخذ أقواله.
كما تجيز اللائحة توثيق إجراءات التحقيق والاستجواب بالصوت والصورة.
وقد سبق أن تناولنا الفرق بين سماع الأقوال والتحقيق الجنائي في مقال مستقل، وهو من أنسب الروابط الداخلية هنا.
6. التكليف بالحضور والقبض والتوقيف والإفراج
قد تتطلب ظروف التحقيق اتخاذ إجراء يتعلق بحضور المتهم أو تقييد حريته وفق الحالات والضوابط التي حددها النظام.
ولهذا نظم نظام الإجراءات الجزائية ضمن باب التحقيق أحكام التكليف بالحضور، وأمر القبض والإحضار، والتوقيف والإفراج المؤقت، وحدد لكل منها أحكامًا مستقلة.
ولا يعني بدء التحقيق أن التوقيف يصبح إجراءً لازمًا في كل قضية؛ فالتوقيف نفسه تحكمه أسباب ومدد وضوابط نظامية سبق أن تناولناها في مقالات مستقلة.
وهنا يظهر أن إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية ليست قائمة ثابتة يجب تطبيقها بالكامل على كل متهم، وإنما تتحدد الإجراءات وفق طبيعة القضية وما يسمح به النظام.
7. انتهاء التحقيق واتخاذ القرار بشأن القضية
بعد استكمال الإجراءات اللازمة، تأتي مرحلة مهمة: التصرف في التحقيق.
وهنا توجد نتيجتان أساسيتان يجب التمييز بينهما.
إذا انتهى التحقيق إلى عدم كفاية الأدلة أو عدم وجود وجه لإقامة الدعوى، نظم النظام إصدار قرار بحفظ الدعوى وفق الإجراءات المقررة. كما أن قرار الحفظ لا يمنع من إعادة فتح القضية إذا ظهرت أدلة جديدة من شأنها تقوية الاتهام.
أما إذا انتهت جهة التحقيق إلى أن الأدلة كافية ضد المتهم، فتنص المادة (126) على رفع الدعوى إلى المحكمة المختصة وتكليف المتهم بالحضور أمامها، وتُرفع الدعوى وفق لائحة تتضمن البيانات التي حددها النظام.
وهذه النقطة مهمة: انتهاء التحقيق لا يعني تلقائيًا إحالة كل قضية إلى المحكمة؛ فالنتيجة تتحدد وفق ما أسفر عنه التحقيق والأدلة.
هل يجب اتخاذ الإجراءات السبعة في كل قضية؟
لا.
هذه مجموعة من الإجراءات التي نظمها النظام، لكن طبيعة كل قضية هي التي تحدد ما تحتاج إليه من إجراءات في إطار الأحكام النظامية.
فقد تحتاج قضية إلى خبرة فنية ومعاينة وسماع شهود، بينما تكون بعض هذه الإجراءات غير لازمة في قضية أخرى.
لذلك لا توجد صورة واحدة مطابقة لكل إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية.
ما الفرق بين التحقيق والإحالة إلى المحكمة؟
التحقيق يسبق قرار التصرف في الدعوى، أما الإحالة فهي إحدى النتائج الممكنة بعد انتهاء التحقيق.
فإذا رأت جهة التحقيق أن الأدلة كافية، تُرفع الدعوى إلى المحكمة المختصة. أما إذا لم تكن الأدلة كافية أو لم يوجد وجه لإقامة الدعوى، فقد تنتهي القضية بالحفظ وفق الأحكام النظامية.
وبالتالي لا ينبغي التعامل مع بدء التحقيق باعتباره تأكيدًا بأن القضية ستصل حتمًا إلى مرحلة المحاكمة.
أسئلة شائعة
هل المعاينة ضرورية في كل قضية؟
لا، فقد ربط النظام انتقال المحقق إلى مكان وقوع الجريمة بوجود مقتضٍ لذلك، وبالتالي يتحدد الإجراء وفق طبيعة الواقعة.
هل يمكن الاستعانة بخبير أثناء التحقيق؟
نعم. نظمت اللائحة ندب الخبراء وحددت كيفية تكليف الخبير ومهمته وتقريره وضم نتائجه إلى ملف الدعوى.
هل التفتيش من أعمال التحقيق؟
نعم، ونص النظام صراحة على أن تفتيش المساكن عمل من أعمال التحقيق، مع تحديد الحالات التي تجيز اللجوء إليه.
هل كل تحقيق ينتهي بإحالة القضية إلى المحكمة؟
لا. إذا كانت الأدلة كافية ترفع الدعوى إلى المحكمة المختصة، بينما نظم النظام حفظ الدعوى عندما لا تتوافر أسباب كافية للسير فيها.
هل يمكن إعادة فتح قضية سبق حفظها؟
نعم، إذا ظهرت أدلة جديدة من شأنها تقوية الاتهام، وفق المادة (125) من نظام الإجراءات الجزائية.
الخلاصة
تشمل إجراءات التحقيق الجنائي في السعودية مجموعة من الأدوات والإجراءات التي تساعد على فحص الواقعة والأدلة؛ ومنها المعاينة، والاستعانة بالخبراء، والتفتيش وضبط الأشياء، وسماع الشهود، والاستجواب والمواجهة، وغيرها من الإجراءات التي نظمها النظام واللائحة التنفيذية.
لكن ليس من الضروري أن تمر كل قضية بجميع هذه الإجراءات؛ فلكل واقعة ظروفها ومتطلبات التحقيق فيها.
وفي النهاية، لا تكون الإحالة إلى المحكمة نتيجة تلقائية لمجرد فتح التحقيق، وإنما ترتبط بما تسفر عنه التحقيقات ومدى كفاية الأدلة للسير في الدعوى.
وللاطلاع على النص النظامي
يمكن الرجوع إلى نظام الإجراءات الجزائية السعودي ولائحته التنفيذية، وبصفة خاصة الباب الرابع المتعلق بإجراءات التحقيق والفصل الخاص بانتهاء التحقيق والتصرف في الدعوى بهيئة الخبراء بمجلس الوزراء
وللاطلاع على موضوعات ذات صلة:
يمكنك الاطلاع على الموقع الرسمي لنا.